صديق الحسيني القنوجي البخاري

235

فتح البيان في مقاصد القرآن

باعتبار معنى « من » كما أن التوحيد في قوله فإن له باعتبار لفظه أَبَداً تأكيد لمعنى الخلود أي خالدين فيها بلا نهاية . حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ من العذاب في الدنيا أو في الآخرة ، والمعنى لا يزالون على ما هم عليه من الإصرار على الكفر وعداوة النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين إلى أن يروا الذي يوعدون به من العذاب ، وحتى ابتدائية فيها معنى الغاية لمقدر قبلها يدل عليه الحال وهي قوله : خالِدِينَ فإن الخلود في النار يستلزم استمرارهم على كفرهم وعدم انقطاعه بالإيمان إذ لو آمنوا لم يخلدوا في النار ، ولو جعلت لمجرد الابتداء من غير ملاحظة معنى الغاية كما أشار إليه القرطبي لكان أسهل وأوضح فتكون جملة مستقلة بالاستفادة . فَسَيَعْلَمُونَ عند حلوله بهم يوم بدر أو يوم القيامة مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً « من » موصولة أي هو أضعف جندا ينتصر به أو استفهامية ، والأول أولى وَأَقَلُّ عَدَداً أي أعوانا أهم أم المؤمنون قال الخطيب أي أنا وإن كنت في هذا الوقت وحيدا مستضعفا وأقل عددا ، أو هم وإن كانوا الآن بحيث لا يحصيهم عددا إلا اللّه تعالى . فياللّه ما أعظم كلام الرسل حيث يستضعفون أنفسهم ويذكرون قوتهم من جهة مولاهم الذي بيده الملك وله جنود السماوات والأرض بخلاف الجبابرة فإنهم لا كلام لهم إلا في تعظيم أنفسهم ، وازدراء غيرهم ، والظاهر أن « إذا » شرطية وأن قوله فَسَيَعْلَمُونَ جوابها لكن يشكل عليه الاستقبال المفاد بالسين وذلك لأن وقت رؤية العذاب يحصل علم الضعيف من القوي ، والسين تقتضي أنه يتأخر عنه ، فليتأمل هذا المحل فإنه لم ينبه عليه أحد من المفسرين ، ولا يتلخص منه إلا بجعل السين لمجرد التأكيد لا للاستقبال وله نظائر كثيرة ، قاله الحفناوي . قُلْ إِنْ أي ما أَدْرِي أَ قَرِيبٌ حصول ما تُوعَدُونَ من العذاب أو يوم القيامة أي فيكون واقعا الآن أو قريبا من هذا الأوان بحيث يتوقع عن قريب أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً أي غاية ومدة فلا يتوقع دون ذلك الأمد ، أمره اللّه سبحانه أن يقول لهم هذا القول لما قالوا له متى يكون هذا الذي توعدنا به ، ولا يقال إنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « بعثت أنا والساعة كهاتين » « 1 » فكان عالما بقرب وقوع القيامة ، فكيف قال ههنا لا أدري أقريب الخ لأن المراد بقرب وقوعه الذي علمه هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى ، فهذا القدر من القرب معلوم ، وأما معرفة مقدار القرب فغير معلوم لا يعلمه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 39 ، والطلاق باب 25 ، وتفسير سورة 79 ، باب 1 ، ومسلم في الجمعة حديث 43 ، والفتن حديث 132 ، 133 ، 134 ، 135 ، وابن ماجة في المقدمة باب 7 ، والفتن باب 25 ، والدارمي في الرقاق باب 46 ، وأحمد في المسند 4 / 309 ، 5 / 92 ، 103 ، 108 .